التوسل والوسيلة بين المشروع والممنوع
التوسل من المسائل التي يكثر فيها الخلط، ومن أراد الحق في مسألة التوسل فلابد من البيان الأصولي لأنه يحرّر محل النزاع ويضبط الأدلة وفق القواعد الشرعية وليس وفق الأهواء .
أولًا: تعريف التوسل
لغةً: اتخاذ الوسيلة، وهي ما يُتقرّب به إلى الغير.
اصطلاحًا: اتخاذ ما يكون سببًا مشروعًا لنيل المطلوب من الله تعالى.
ثانيًا: تحرير محل النزاع
ليس الخلاف في أصل التوسل، بل في نوع الوسيلة:
النوع الأول متفق عليه: وهو التوسل بما ثبت كونه سببًا شرعًا.
النوع الثاني مختلف فيه: وهو ما لم يثبت كونه سببًا شرعًا أو كان ذريعة إلى محظور.
وهنا تظهر قاعدة أصولية مهمة:
(الأصل في العبادات التوقيف)
فلا يُتقرّب إلى الله إلا بما شرعه.
ثالثًا: أنواع التوسل:
1) التوسل المشروع (المتفق عليه)
مثال للتوسل المشروع:
(أ) التوسل بأسماء الله وصفاته
الدليل:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
كما تقول
“اللهم يا رحمن ارحمني، يا غفور اغفر لي”
التأصيل الأصولي:
هذا داخل في دلالة الأمر في الآية، والأمر يفيد الوجوب أو الاستحباب.
(ب) التوسل بالأعمال الصالحة
الدليل: حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة وحديثه في الصحيحين.
مثال:
“اللهم إن كنتُ فعلتُ كذا ابتغاء وجهك فافرج عني”
التأصيل الأصولي:
من باب الاستدلال بالسنة المتواترة المعنوية
ويدخل تحت قاعدة: جواز تعليق الدعاء بسبب مشروع
(ج) التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي
الدليل:
طلب الصحابة من النبي ﷺ الدعاء، وكذا استسقاء عمر بالعباس.
وهنا فائدة : لو كان التوسل بالأموات جائز لكان الصحابة أولى الناس توسلوا بالنبي ﷺ بعد موته أو ذهبوا إلى قبره ولكنهم ذهبوا إلى عمه الحبي وهو العباس يطلبوا منه الدعاء .. والذهاب لمن تثق في تقواه وورعه وهو حي وتطلب منه أن يدعو الله لك جائز اتفاقاً.
مثال:
أن تقول لرجل صالح حي: “ادعُ الله لي”
التأصيل الأصولي:
هذا من باب اتخاذ السبب الظاهر المشروع؛ وليس دعاءً لغير الله، بل طلب دعاء
النوع الثاني :
التوسل المختلف فيه
(التوسل بالجاه أو الذات)
مثل:
“اللهم إني أسألك بجاه النبي ﷺ أو “بحق فلان”
الخلاف فيه:
الجمهور المتأخرون: جوّزوه (باعتباره توسلاً بقدرٍ له عند الله)
طائفة من المحققين (كابن تيمية): منعوه
خامسًا: التأصيل الأصولي للخلاف
1) هل هذا من باب الأسباب؟
المجيزون: يعدّونه سببًا معنويًا
المانعون: يقولون لا دليل على كونه سببًا
فيدخل تحت قاعدة:
الأسباب لا تثبت إلا بدليل شرعي أو قدري
2) قاعدة سد الذرائع
المانعون يرون أن هذا قد يفضي إلى الغلو والشرك
فيمنعونه من باب سد الذريعة
3) الاستصحاب
الأصل عدم المشروعية حتى يرد دليل
فمن لم يجد دليلًا قال: لا يُشرع
سادسًا: مثال تطبيقي أصولي
المثال:
رجل يقول:
“اللهم إني أسألك بجاه النبي ﷺ أن تشفيني”
التحليل الأصولي:
1. هل هو عبادة؟ نعم (دعاء)
2. هل ثبت هذا النوع؟
لم يثبت نص صريح؛ إذن لا يجوز .
3. هل هو سبب معتبر؟
• محل خلاف
4. هل يفضي إلى محظور؟
• قد يفضي إلى التعلق بغير الله؛ إذن كل ما يؤدي إلى محظور يحظر .
خلاصة أصولية جامعة
• التوسل بابه باب الأسباب
• والأسباب:
• شرعية (مقبولة)
• بدعية (مردودة)
• والضابط:
كل وسيلة لم يدل الدليل على مشروعيتها فهي مردودة في باب العبادات
فإذن الدعاء والتوسل للأموات لا يجوز شرعاً ولا عقلاً … !